الشيخ حسن المصطفوي
128
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
وهذا المعنى إمّا في ذات من حيث هو ، تكوينا واستعدادا ، وإمّا في عمل من جهة توفيق الأعمال الصالحة . ويقابل هذا المفهوم : الشقاء والنحوسة ، أي حالة شدّة وعناء وكلفة تمنع عن الخير والصلاح والفضل والسلوك إلى الكمال . وأمّا جملة - لبّيك وسعديك : فمفهومها قياما لك وفي محضرك وفي الخدمة والعمل لك ، والفعل مقدّر - البّ لبّا . وفي حالة مهيّأة للعمل الصالح والسلوك إليك وطلب الفضل والكمال ، بمعنى وجود الاقتضاء والتهيّؤ للخير والصلاح أسعد سعدا . * ( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِه ِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ) * ، * ( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ) * - 11 / 108 . أي لا تقدر نفس أن تظهر ما في نفسها من إحاطة العظمة والسطوة والهيبة ، الَّا أن يؤذن بالإظهار ، فيومئذ يكون الناس على صنفين ، إمّا شقيّ وهو في حالة الشدّة والعناء ، فهو بمقتضى تلك الشدّة والكلفة يكون له زفير وشهيق وهو في النار . وإمّا سعيد وهو في حالة الشوق إلى اللقاء والعلاقة بالروحانيّات ، فهو بمقتضى تلك الحالة الفعليّة له مستقرّ في الجنّة . فظهر أنّ السعادة لها ثلاث مراحل ، الأولى - السعادة الفطريّة الذاتيّة بحسب اقتضاء الأسباب والعلل ، من الخصوصيّات في الوالد والأمّ والزمان والمكان والغذاء والرحم والتحوّلات فيها ، إلى أن يستعدّ لنفخ الروح ، فهو في تلك الحالة بعد هذه التحوّلات والشرائط والمقتضيات امّا له درجة من السعادة أو في منزلة من الشقاء . والثانية - السعادة المكتسبة بالأعمال والعبادات والطاعات والرياضات ، فانّ كلّ نفس مكلَّف بمقدار وسعه وعلى ما آتيها ، والعمل الصالح بأيّ كيفيّة كان وفي أيّ مقام وحالة : يؤثّر في إيجاد السعادة ، ويوجب قوّة وروحانيّة وانشراحا في الصدر . والثالثة - السعادة الفعليّة المتحصّلة من المرحلتين الذاتيّة والمكتسبة : وهي المتظاهرة في الآخرة ، وهي مبنى الثواب والعقاب .